بعد نجاح الحركة مباشرةً اشترك قادتها في تولي المهام والمسؤوليات بدافع من المصلحة العامة لبناء العراق بعد تركة كبيرة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والساسية التي ورثها العراق عن الحكم الملكي، وساهم الجميع وعلى قدم المساواة لبناء بلدهم بروح من الاخوية والزمالة التي امتشجت معها ساعات النضال المخمضة بدماء من سبقوهم، بالحماسة الثورية للشباب بالمهام والامال المعقودة لتحقيق تطلعاتهم التي طالما حلموا وحلم الشعب بها. ولكن وكما قيل لاتجري الرياح بما تشتهي السفن، بعد اختلاف قادتها وبروز العميد عبد الكريم قاسم كقائد اوحد في إدارة دفة سفينة الحكم، خبى اشعاع الحركة كثورة وبريقها الأول وخصوصا بعد ساسلة اخطاء غير محسوبة العواقب ارتكبها عبد الكريم قاسم. لقد بدلت الثورة معالم العراق بشكل جذري وغيرته من نظام قبلي إلى نظام معاصر، وقضت على نفوذ الإقطاع وجرت إصلاحات جذرية مثل سن قانون الإصلاح الزراعي رغم معارضة بعض الشرائح لأسلوب تنفيذه والذي نقل الفلاح من العبودية إلى التملك والقيام بحملات كبيرة في قطاع التعليم والصحة، وبناء الأحياء السكنية للفلاحين والكسبة. الزعيم الاوحد تحول عبد الكريم قاسم من زعيم للثورة إلى زعيم اوحد، وشيئا فشيئ جمع بيده كل السلطات، فاستحوذ على مركز صناعة القرار وبدأ بجمع الصلاحيات بيده مجرداً اياها من زملاءه. فأصبح هو رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة وكان يتباهى بذلك من خلال مقابلاته ووسائل اعلامه التي نعتته "بالزعيم الاوحد" وتصريحاته التي كان يكرر فيها عن أسلوبه في الحكم "بانني اعتبر العراق وحدة عسكرية والشعب هم جنودها". وعند نجاح الحركة وقيام الجمهورية، حين كان العمل في القيادة جماعيا قبل تفرده بالسلطة سمحت وزارة الداخلية التي كان عبد السلام عارف وزيرا لها بتأسيس بعض الأحزاب مثل الحزب الإسلامي العراقي وحزب الدعوة الإسلامية، إلا أن عبد الكريم قاسم وبعد حصر الصلاحيات بيده الغى هذه الأحزاب ولم يفسح المجال لعمل احزاب جديدة سوى الحزب الشيوعي العراقي الذي شاركه في السلطة. خطوات إضافية نحو التفرد والانعزال
شملت التصفيات أي شخصية وطنية يعلو صوتها على صوت عبد الكريم قاسم، فلفق التهم لبعضهم وزجهم بالسجون واعدم البعض الاخر مستغلا حركة عبد الوهاب الشواف الانقلابية كذريعة لهذه التصفيات، اما الذين قاموا فعليا بالحركة فقد تم قتلهم مباشرة بالقصف المباشر بالطائرات، والبعض الاخر احيلوا إلى المحكمة الخاصة "محكمة الشعب" حيث تم زج الكثيرين ممن ليس لهم علاقة بحركة الشواف وتعذيبهم ثم اعدامهم. ومن ابرز المعدومين العميد الركن ناظم الطبقجلي والعقيد رفعت الحاج سري الدين ومجموعة من رفاقهم، واصدار احكام الإعدام التي لم ينفذها بسبب الضغوطات الشعبية بحق كل من الشخصية الوطنية رشيد عالي الكيلاني باشا والعقيد الركن عبد السلام عارف. وبدأ يعمل على عسكرة الدولة من خلال السيطرة على الشركات والمؤسسات العامة بواسطة تعيين ضباط من الجيش مدراء لها، وقد ركز اهتمامه على تقوية وتطوير المؤسسة العسكرية وأهمل تنمية القطاع الاقتصادي. حيث تميز شكل دولة العراق بالحكومة العسكرية التي طبقت الأحكام العرفية العسكرية على الشارع والحياة المدنية. فكان الحاكم الفعلي للعراق ليس مجلس الوزراء أو مجلس السيادة بل الجيش من جهة والشيوعيون من جهة ويترأسهم عبد الكريم قاسم. ثم جاء تشكيل المحكمة العسكرية الخاصة العليا أو ما اشتهرت باسم محكمة المهداوي التي وصفت بكونها محكمة "هزلية" أو "سيرك المهداوي"، شكلت أساسا لمحاكمة اركان النظام الملكي وأيضا جيء بالكثير ممن ليس لهم علاقة بمركز القرار واعدم الكثيرين مجرد لانهم كانوا مسؤولين في النظام الملكي. يرى المعارضون لطريقة سير تلك المحكمة ان المحكمة وبسبب رئيسها المقدم فاضل عباس المهداوي وادعائها العام العقيد ماجد محمد امين كانت منبرا وواجهة اعلامية للحكومة واستخدمت فيها وسائل تعذيب واهانة الموقوفين وكثيرا ما كان رئيس واعضاء المحكمة ينحدرون بالسباب والشتائم وتلفيق التهم بالشبهة وأثناء البث المباشر على شاشات التلفزيون. كما أدى فسح عبد الكريم قاسم المجال للحزب الشيوعي ومليشياته بالعبث بأمن الدولة والمواطنين وتمكينهم من المناصب الهامة في الوزارة والجيش ومستشارية لاخر يوم في نظام حكمه مثل العميد الطيار جلال الدين الاوقاتي الذي قتل صباح يوم الحركة وطه الشيخ مدير العمليات في وزارة الدفاع وفاضل المهداوي رئيس المحكمة الخاصة الذين اعدما معه. كما قامت المليشيات الشيوعية المسماة بالمقاومة الشعبية بارتكاب أعمال عنف مؤسفة كقتل وتعذيب معارضيهم وسحل الكثيرين بالشوارع وتعليقهم على اعمدة الكهرباء. والقيام بمداهمة واحتلال المنازل والمؤسسات الحكومية والمعسكرات والعبث بها بمساعدة العامة من الدهماء كما حدث من مجازر وتجاوزات على حقوق الإنسان في الموصل وكركوك ومن أبرز رموزها "قطار الدم" المسموم. كما عبثوا في سياسة الدولة الداخلية والخارجية ومنعوا اي تقارب مع الدول العربية أو تحقيق اية وحدة عربية والتي كانت حلم الجماهير التي تعتبرها ضرورة للوقوف بوجة القوى الكبرى للنيل من الثورة. واجه قاسم انتقادات من المراجع الدينية المحافظة التي لم تكن مع بعض القرارات التي كانت تعتبر تغيرات جذرية سريعة نحو العلمانية في دولة لا تزال تتمسك بالعرف الديني والعشائري ومن أشهر هذه القرارات قانون الأحوال الشخصية الذي ضمن للمرأة حقوقا واسعة بعيدة عن التشريع الإسلامي ومستوحاة من الفكر الماركسي وقانون الإصلاح الزراعي حيث انتزع الأراضي من مالكيها ووزعها على الفلاحين والمهاجرين من الشروقيين والذي أصدرت المراجع الدينية الشيعية بضمنها الحوزات الدينية الشيعية والمراجع السنية بيانات شجبها ومنافاتها للشريعة الإسلامية. ولعل أبرز إنجازات "الزعيم الأوحد" هو إقامة ما سمي بمدينة الثورة وإسكان الشروق والمنبوذين فيها لاستخدامهم كلاباً وفية لتحقيق مآربه ومآرب قائد السيرك الأكبر المهداوي. استغلاله لمنصبه بتولية المناصب الهامة لأفراد عائلته واصدقائه واقاربه دون وازع من الكفائة أو المهنية حيث نصب ابن خالته المقدم فاضل عباس المهداوي بمنصب رئيس المحكمة العسكرية العليا الخاصة. كما ميز بعض افراد عائلته بمنح اشقائه وشقيقاته الدور السكنية الراقية مجانا مع كبار القادة العسكريين وجعل اخيه الكاسب المعدم المتنفذ الملقب ب "البرنس " حامد قاسم مشرفا على توزيع اراضي الإصلاح الزراعي على الفلاحين والتي جمع منها اموالا طائلة أصبح على اثرها من الاثرياء حيث اقر بذلك بعد الاطاحة بحكومة قاسم أثناء محاكمته وسجن لمدة عامين وظهر بعد فترة من كبار تجار العراق " رشح نفسه لرئاسة غرفة تجارة بغداد عام 1968". لم يؤمم نفط العراق في ظروف مواتية بعد تعالي الصيحات المنادية بالتأميم وذلك بعد تأميم إيران "مصدق" للنفط ومصر "عبد الناصر" لقناة السويس. واكتفى كبديل بتبني اقتراح وزارة النفط باصدار القانون رقم 80 الذي فسح المجال للعراق باستكشاف حقول نفطية جديدة. ميوله الطائفية والعرقية بتفضيل طائفة على أخرى وقومية على أخرى حيث استغل قانون الإصلاح الزراعي وانتزع الاراضي العقارية من مالكيها ووزعها على الفلاحين والمهاجرين الشروقيين وذلك لانتماء اسرته لهذه الفئة. كما دعم المهاجرين الذين كانوا يعملون فلاحين لدى الإقطاع وساواهم بالفلاحين العرب العراقيين ووهبهم الاراضي الزراعية والدور السكنية ليضمن دعمهم له. نقضه لقرار تنظيم الضباط الأحرار والميثاق الوطني بحل القضية الكردية والتي تم اتخاذ اجراءات لحلها عندما كان العمل جماعيا بداية الحكم الجكهوري وتمثل بدعوة الشخصية الكردية الملا مصطفى البارزاني للعراق، إلا أن وبعد تفرد قاسم ضرب الأكراد والب عليهم العشائر العربية في الموصل وكركوك لاضطهادهم والتنكيل بهم وارسل القطعات العسكرية للنيل منهم عام 1961 بما يعرف بالثورة الكردية. انظر موقف الحكومة المصرية من حكومة عبد الكريم قاسم لم تكن سياسة قاسم الخارجية مبنية على أساس واضح المعالم منطلقة من أساس فكري ولا من برنامج عمل منظم، فقد تميزت بالكيفية والمزاجية منطلقة من " الانا" أو النرجسية الذي ميزت حقبة قاسم انعكس ذلك بشكل قوي في وضع نفسه بشكل منافس ومعارض ثم خصم وند للرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة ليس في مصر فقط بل في العراق ومجمل بلدان الوطن العربي, لأسباب تتعلق بنجاحه في قيام الجمهورية في مصر وتحويلها إلى بلد مناهض للهيمنة الغربية وقيامه بتاميم قناة السويس عام 1956 وصد العدوان الثلاثي ودعوته لقيام اتحاد عربي باسم الجمهورية العربية المتحدة. حاول قاسم الظهور بمظهر زعيم الامة العربية حيث حاول منافسة عبد الناصر بدعم ثورة الجزائر ودعم المغرب وطالب بضم الكويت ليس بصيغة الوحدة العربية المتكافئة بل بأسلوب ضمها إلى العراق عندما أرسل برقية إلى شيخ الكويت في 20/6/1961 يبلغه بها الغاء اتفاقية 1899 الموقعه بين بريطانيا وقائمقام الكويت، ابلغه ان الكويت أرض عراقية وقد عقد مجلس الوزراء العراقي عدة جلسات لمناقشة كيفية احتلال الكويت، الاان طلب بريطانيا تعليق الموضوع حسم الموقف لاسيما وان القوات البريطانية كانت رابضة على مقربة من الكويت في البحرين. اما الكويت فمن جانبها قدمت شكوى للجامعة العربية التي قررت حلها ضمن اروقة الجامعة العربية مما أدى إلى امتعاض قاسم و"زعله" حيث لم يجد صدى لزعامته العربية فقرر الانكفاء وعزل العراق عن محيطه العربي والإسلامي. وقد غلبت على سياسته الخارجية بتبني مواقف مناقضة أو منافسة لسياسة عبد الناصر حيث الغى عبد الكريم قاسم عضوية العراق في جامعة الدول العربية واسائت علاقات العراق مع أغلب الدول العربية لأسباب غامضة. واخذ بدلا عن ذلك بتنمية علاقاته مع المعسكر الشيوعي بنائا على مشورة الحزب الشيوعي الذي طالما لعب دورا في سياسة قاسم الداخلية والخارجية. ومن العوامل الأساسية لعزل العراق عن محيطة الإقليمي العربي والإسلامي هي عدم ايمانه بالوحدة العربية ولا بالشريعة الإسلامية واعتراضه على الانضمام إلى الاتحاد العربي المسمى الجمهورية العرابية المتحدة عام 1958 عند زيارة وفد شعبي من الجمهورية العربية المتحدة للعراق للتهنئة والمساندة والدعوة للانظمام للاتحاد إلى احباط كبير لدى المواطن العراقي واعضاء تنظيم الضباط الوطنيين "أو الأحرار" ذلك لانهم اقسموا جميعا عند نجاح الثورة بان يسعوا لانظمام العراق للاتحاد. وكانت مقولة عبد الكريم قاسم لها اثرها السلبي في النفوس وهو في مستهل تبوئه لمنصب رئاسة الوزراء ولم تكن هنالك اي مشكلات سياسية بين بغداد والقاهرة، عندما قال "لن اكون تابعا لاحد" مما أدى برئيس الاتحاد جمال عبد الناصر بادلائه بتصريح قال فيه " على الرغم من أن ميثاق الجمهورية العربية المتحدة ينص على اجراء الانتخابات الحرة لاختيار رئيس الاتحاد الا انني ومن موقعي هذا اتنازل عن رئاسة الاتحاد لفسح المجال امام العراق بلانظمام للجهورية العربية المتحدة مثلما تنازل من قبل الاخ الرئيس السوري القوتلي وبهذه المناسبة اتشرف بدعوة الاخ رئيس الوزراء العراقي الزعيم عبد الكريم قاسم لزيارة القاهرة لترتيب توليه رئاسة الاتحاد". كان لهذا التصريح صدى كبير في الشارع العراقي والعربي إلا أن عبد الكريم قاسم مرة ثانية صرح باجابه محبطة قائلا " لن اذهب إلى القاهرة ربما سيتم خطفي اوقتلي". فاحس المواطن هنالك سياسة مبيتة مبنية على الإصرار بالابتعاد عن المحيط العربي. وتعزز هذا الاعتقاد عند تنامي الخلافات مع دول العربية المحيطة بالعراق حيث بدأت تسوء العلاقات بين عبد الكريم قاسم والعاهل السعودي فيصل والرئيس السوري القدسي "قبل مجيء البعثيين لسوريا" والملك حسين بن طلال عاهل الأردن والرئيس المصري عبد الناصر علاوة على أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم الصباح حيث دعا إلى ضم إمارة الكويت والتي قررت بريطانيا الانسحاب منها بعد أن كانت تحت وصايتها. وفي عام 1961 وبعد تنامي عزله العراق عن الدول العربية والإسلامية، قرر عبد الكريم قاسم الانسحاب من الجامعة العربية، وعوضا عن ذلك بدأ ينمي علاقاته مع تركيا وإيران ومنظومة الدول الشيوعية بزعامة الاتحاد السوفيتي. وقد واجهت حكومة الجمهورية العربية المتحدة سياسة رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم وتصريحاته المتكررة عن وجود مؤامرة من دولة الاتحاد المصري السوري لتخريب العراق وذلك من خلال سلسلة مقالات وتصريحات أهمها سفير العراق لدى القاهرة فائق السامرائي الذي استقال من منصبه احتجاجا على "سياسة حكومته المتخبطة" ،والرسائل المفتوحة التي ارسلتها القاهرة إلى بغداد عن طريق جريدة الأهرام بقلم رئيس تحريرها الإعلامي محمد حسنين هيكل. كان عبد الكريم قاسم دائم التدخل في اعمال وزير الخارجية هاشم جواد الذي لم يتميز بالدبلوماسية والعمق السياسي، وحيث واجهت سياسة العراق الخارجية عدة أزمات خطيرة، كان من أهمها الأزمة التي أثارها مع الكويت عند استقلالها في 19 يونيو/ تموز 1961، حيث طالب بضم الكويت إلى العراق، ولكن الجامعة العربية استطاعت أن تسيطر على الأزمة وتحتويها لتُحل في إطار عربي مما أدى إلى "زعل" قاسم وانفعاله مقررا سحب عضوية العراق من الجامعة العربية وقطع علاقاته الدبلوماسية مع العديد من الدول العربية التي وقفت مع الحل العربي, وقد عزلت هذه الأزمة العراق وظهر بمظهر المتخبط في السياسة الخارجية. إلا أن دار الوثائق البريطانية قد كشفت عن العديد من الوثائق السرية عن ابرام عبد الكريم قاسم لعدد من الاتفاقات وأهمها المعاهدة مع بريطانيا والخاصة برعاية المصالح البريطانية باعتبارها الدولة العظمى في ذلك الوقت وذات الوصاية الاستعمارية السابقة على العراق، ولقاءاته السرية مع السفير البريطاني التي وصلت إلى حد زيارته بالزورق البخاري من الباب الخلفي للوزارة المطل على نهر دجلة حيث كانت السفارة البريطانية تقع في الجهة المقابلة للنهر في منطقة الشواكة، وقد اشار مؤسس تنظيم الضباط الوطنيين " الأحرار" رفعت الحاج سري الدين أثناء محاكمته بانه يطلب من المحكمة ان تسال الحكومة ورئيسها، لمصلحة من تعقد الاجتماعات وتبرم المعاهدات السرية مع السفارة البريطانية. وبعد نجاح حركة 8 فبراير / شباط 1963 كشفت الصحف في حينها بعض من هذه الاتفاقيات. |
المصدر: منتدى عيون مصر - من قسم: نبض العراق الحر
jhvdo hguvhr _ hgllg;m hguvhrdm _juev h]hx hgp;,lm_hg.udl hgh,p]
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire